انتصار الأمل, للأسير عمار حماد عيسى الزين..

الكاتب/ الأسير الفلسطيني عمار حماد عيسى الزين.

نض النعاس من عينيه مستأنساً بطيفها المنتفض بين النجوم يأبى الانفكاك عن سماء سحبه التي لم تبرح مكانها منذ أن أمقلت بغيماتها السوداء على حرية حدقاته قبل اثني عشر عاماً وأصبح أسيرها المتسلل ليلاً والناس قتلى الفراش.
هي زوجته سهام عالمه الذي يعسكر في مواطن قلبه وروحه ، فيراها مع كل طرفه عبن أو سهوة جفن.

يقتنص في ساعات الليل الغالية تلك اللحظات الرائعة والقمر ينتصف السماء بوضوح ملتقياً مع شوقه القتال إليها حيث ينام على سرير علوي في إحدى حجرات الطابق العلوي في سجن عسقلان .

يطفر عبره بالنظر إلى السماء متجاوزاً  كل الحواجز الحديدية التي تعجز عن منعه مخاطبة الحبيب في سحر القمر، وقد اعتاد طوال أسره الممتد مَن اغتال وصاله القراصنة، أن يرسم كل ليلة ذاك المشهد الذي يلتحم فيه مع غاليته الرائعة التي لا زالت تعبر المسافات بطيفها كل ليلة إلى حيث أنفاسه، عرقه، هدهدة يديه ورائحة ملابسه التي طالما أحبتها فيه ، وقد تعاهدا منذ بداية أسره أن يلتقيا كل ليلة لدى القمر فان غاب في ساعتها بين الغيوم التقيا مع حبات المطر، وإن عجز عن النظر إلى السماء، أغمض عينيه على سماء عشقها فراها نجوماً قمراً شهباً ملائكة تجوب السماء بلا وجل.

كانت ليلة طويلة جداً، استحلف فيها الدقائق التي رآها ساعات وأياما أن تمضي بسرعة كي تعانق أجمل صباح ينتظره منذ اثني عشر عاماً حيث حلم كثيراً بهذه اللحظة التي ينهي فيها حكمه الظالم الذي كان عذاباً من نوع خاص، فإضافة إلى قبح الاحتلال الذي أسر حريته طوال هذه السنين العجاف، كانت مأساة قلبه وروحه الكبرى عندما حالت إفرازات التعسف الصهيوني من رؤية زوجته طيلة فترة أسره كونها لا تحمل رقماً وطنياً يمنحه الاحتلال لسكان الضفة الغربية، فقد ولدت زوجته في الأردن ، ولم تستطع الحصول على حقها بذلك الرقم غير أنها وجدت رقمها في قلب فارسها (إبراهيم) الذي منحها روحه منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها عينيها اللتين اختزنتا كل الأشياء الجميلة، ولما شاءت الأقدار واتفقا على تتويج عشقهما بالزواج حضرت إلى فلسطينها الحبيبة بتصريح زيارة مؤقت ، فمنحها إبراهيم تصريح قلبه الأبدي الصادر عن ينابيع وربوع وزهور فلسطين فأصبحت مهددة بالطرد حال كشف مكوثها في بلدها بصورة غير شرعية, الأمر الذي منعها من زيارة حبيبها في سجنه خشية من إبعادها الفوري واليوم يلتقي العصفوران في حديقة هيامهما التي أزهرت وحان قطاف عطرها فلم يعرف إبراهيم كيف غادر إخوانه وسجنه وذكرياته الممزوجة بالحزن والفرح, غير أن ذكرى قائمة تتجدد, كانت تشده إليها مرسومة في مخيلته بل في طريقه ولا يرى سواها (سهام), التي اعتصمت منذ ساعات في غرفتها تعيد مراجعة الطقس الأخير للحظة اللقاء التي طالما نظمت كلماته وحركاته أمام المرأة التي شهدت آلاف الليالي الدامعة , ومنذ وقفت تحاكي قوامها المنسوج من خيوط الشمس ,تميل يُسرة.
وكلما مرت الدقائق فتبتسم, وحنيتها طواعية وتفعلها يُمنة فينتفض الحنين من صدرها التواق إلى دفئِ طال غيابه.
وكلما مرت الدقائق , زاد اضطراب جسدها الذي بالكاد يضبط قلبها المتمرد التواق للقفز خارجاً, وَقي لحظةً كانت فيها لا تزيّنُ شفتيها اللتين كانتا مقتل فارسها! توالت الطرقات على الباب ومن خلفه صرخات النسوة, لقد وصل إبراهيم, اخرجي يا سهام!.... فاندفعت كالبرق نحو الباب تعدو نحو البوابة الخارجية دون أن تشهر بمشيها على الأرض.

وبلا طقوس لطالما أعدتها لهذه اللحظة، تعلقت بعنقه كالطفلة تسند رأسه إليها وتبكي – تضحك- تعانق بلا قيد اجتماعي والناس يراقبون المشهد بعطف تلقائي أما إبراهيم، فقد توقفت شبكته البصرية عن رؤية أحد سواها وقد التحم بها مغمضاً عينيه على جسدها الذي التصق به كالتصاق الجنين برحم أمه وبقى العناق مستمراً طيلة الأيام والأسابيع التي أعقبت اجتماعهما مجدداً حتى حدث ما كانت تحاول سهام إخفاءه عن إبراهيم ريثما تأتي اللحظة المناسبة، فقد سمع إبراهيم جدلاً مستعراً بين شقيقته الكبرى وزوجته التي كانت ترجو شقيقته الحديث بهدوء غير أن الأخيرة كانت تصر على ضرورة إخبار إبراهيم بذلك قائله بحنان: يا حبيبتي أنت غير مسئولة عن ذلك، فقطع إبراهيم حديثهما بعد أن ارتعدت أوصاله خشية لما قد يكون من وراء الحديث: ما الذي تخفيه عني؟ توجه إبراهيم بسؤاله إلى سهام وعيناه ترجوان منها أن تقول خيراً.

نظرت سهام إلى عينه موطن التعبير لديه وهي تقتله بالدموع التي انهمرت بصمت رهيب وقد أسكتها الموقف عن الكلام. فوضع راحتيه على كتفيها برقة تعرفها جيداً: أنا أثق بك يا حبيبتي فلا تخشي شيئاً، ولم يكد ينهي حديثه حتى سارعته شقيقته بالحديث الذي لم تسطتع سهام المكوث لسماعه من فم شقيقته ، فركضت إلى غرفتها والدموع تسبقها إلى هناك، لتبدأ فصول معركتها الأشد ونضالها المستعر بعد أن كان أسر حبيبها في المرتبة الثانية ، حيث شعرت بأن أحلام اثني عشر عاما يتهددها عاصف قد يذهب بكل اللحظات الجميلة التي رسمتها للمستقبل وها هي تعود إلى صراعها ومع تلك الحقيقة التي طالما أقنعت نفسها بعدم صمودها أمام قصة حبها الفريدة، فلقد تركت دنياها هناك شرق النهر في الأردن لتعبر بعشقها إلى ضفة صورة حبيبها وصمدت كالزيتونة الرومية بعد أن غادرها قسراً وهي عروس في أشهر زفافها الأولى, وفجأة دخل إبراهيم الغرفة ليجدها في صراع أغمضت له عينها بعد أن وضعت يديها على رأسها المثقل بالخطر القادم, فتقدم نحوها جالسا قبالتها على الأرض حيث تكومت كالطفلة الصغيرة مستسلمة لضعفها, مد يده بلطف نحو وجنتيها كي تنظر بعينيه , حيث كانتا تحملان آلاف الكلمات العاصفة, وبنظرةٍ تعرفها جيداَ مصحوبة بثغر طالما استماتت للثم عذوبته – قال: أنتِ ملاك عمري ما حييت!! فأجهشت بالبكاء لقراءتها ما خلف كلماته, ثم أردف وهو يضمها بين ذراعيه: أحبك كما أنت ولن تنازعك امرأة على وجه الأرض, مكانتك هنا! وأشار بيده على قلبه فدفعته عن صدرها المشتعل ناراً ونطقت متلعثمة: لكنها ستكون هنا وأشارت إلى الفراش. ثم أكملت وهي تجوب الغرفة كالنمرة: وفي كل مكان. فأسرع نحوها حانياً عليها: كيف جزمتِ بأنني سأتزوجها؟
ألا تعرفين بأنك الزوجة والأم وأيضا الولد فنظرت إليه بعقلها دون قلبها وهو يقف إلى جانبها قرب النافذة: لن تصمد أمام ضغط عائلتك .

فلثم حبيبها بقلبه المستسلم: أعرف ذلك يا حبيبتي لكنني لن أفعل شيئاً رغماً عنك ولكن -وهنا جلسا ملتصقين على الأرض وقد اتكآ على جدار الغرفة- لماذا لم تخبريني من البداية؟؟
هدأت سهام وهي تقبل يده وتضعها على وجنتيها كما أحبت كما قالت :
خشيت من أن تحلم بغيري فمنذ أن عرفت باستحالة الإنجاب على إثر المرض الذي أصابني كانت خشيتي الوحيدة أن تعلم بذلك وخصوصاً ...
توقفت سهام عن الحديث فأكمل إبراهيم: وخصوصاً بعد أن اتفقت عائلتي على تزويجي فور خروجي من الأسر.
لكنك يا حبيبتي لم تكوني مرغمه على حمل هذا الألم لوحدك؟؟
فأجابت بعد أن رفعت الراية البيضاء: لا يهم كل ذلك الآن فأهلك يقولون بأنك تجاوزت الأربعين بقليل فلا تضيع عمرك مع عاقر.

فغضب زوجها وهو يضع كلتا يديه على رأسها الذي أداره نحو وجهه:

يا إلهي، ماذا تقولين يا امرأة، أنت كل ما أملك، أتفهمين ذلك؟؟
وفي غمرة الحديث دخلت الغرفة مَن بيدها مقتل سهام, والتي لم تبادر منذ البداية بالحديث، فنهض إبراهيم بسرعة: أمي تفضلي .
وذهب يلثم يدها وجبينها وهي تنظر بعطف نحو سهام التي تدرك مدى تأثير أمه على قراراته, وقالت: ستبقين سيدة البيت يا سهام لكنك لا تقبلين يا ابنتي أن نحرم إبراهيم من الولد، فقد مضى شهران على خروجه من الأسر ولا ندري كم أعيشُ أكثر مما عشتُ كي أراه أباً أم لا؟؟
فقال إبراهيم الذي لم يجرؤ على قول كلمة اعتراض واحدة: أطال الله في عمرك يا أمي.
بينما خطت دموع القهر والهزيمة طريقها على وجنتي سهام التي كانت على يقين بقدوم هذه اللحظة التي ينتصر فيها نداء الفطرة على صدق قلبها الذي لم تشأ إرادة السماء أن يحضر الولد، خرجت الأم التي كانت قد أعدت كل شيء مع شقيقاته للشروع في خطبة عروس لإبراهيم, بينما أصرّ هو على شرطه الغريب بأن تلقى العروسُ استحسان سهام التي رفضت في البداية أن تختار قاتلتها بيدها غير أنها نزلت عند رغبة حبيبها الذي كاد أن يُغضب أمه وعائلته إن لم توافق, كونه قد رهن الزواج باختيار سهام لأم الولد الجديد.

وهنا دخلت سهام حرباً من نوع آخر حيث تملك إنهاء الحرب بمقتلها لدى اختيار غريمتها وفي ذات الوقت لا تستطيع الاستمرار برفض العرائس.
كانت سهام تعيش لحظات ما قبل الإعدام ترى حبل المشنقة يتدلى من فوق رأسها, حتى وصل فيها الأمر ذات مرة أن تتمنى لو لم يخرج حبيبها من الأسر لبقيت تعيش الأمل, لكنها سرعان ما استغفرت الله لذلك.
وفي إحدى المرات العصيبة خاطبت رحمها وهي تقف أمام المرآة: أعقرت أيها الأجدب من احتضان الأمل؟! ألم يخشع جدارك لدمع قلبي ؟! ألم تعش معي ملحمة الصبر والحب؟! أعجزت عن رعاية شيء من زرع حبي؟!
وسرعان ما يردها إيمانها إلى ما تبقى من عقل لديها، وبقيت كذلك في صراع محتدم مع جسدها أولا والذي طالما اتهمته بخيانتها بالمرض عوضاً عن ضعيفها الذي لم يفتر حبه لها ويلقى نصيب الأسد في إثم البحث عن الولد، هذا عندما تطلق العنان لعاطفتها المجروحة جرحاً أعمق من المحيطات جميعها لكنها تعود فوراً إلى اتزان فطرتها التي أدركت من خلالها حاجة إبراهيم لما حُرمت منه قصراً.

وجاءت اللحظة التي لم تعد فيها قادرة على استمرار تعطيل خطة زوجها بعد أن رفضت العديد من العرائس، حيث خاطبها حبيبها ذلك المساء قائلا : ألم يحن وقت الموافقة يا حبيبتي ؟؟؟ لقد أصبح رفضك المقصود مكشوفاً؟؟

نظرت إليه كاللبؤة التي اعتدى أحدهما على أطفالها، ثم أردف: لم يعد بمقدوري احتمال انتقادات الأهل وضغطهم علي. فأجابته كالطفلة: أنتم تطلبون مني قتل نفسي بيدي، ألا تشعر بذلك؟؟

جلس إبراهيم على الكرسي واضعا يديه على وجهه الأمر الذي سرعان ما دفع سهام للقول مرغمة: ومتى ستذهب لرؤيتها ؟؟؟ فنهض عن الكرسي وهو يقول: الليلة, رتّبي نفسك ريثما آخذ الأهل جميعا. ثم غادر الغرفة بسرعة خشية من تراجعها، في الوقت الذي شتمت فيه سهام نفسها على جريمة موافقتها للذهاب بقدميها إلى حيث تقتل نفسها بيدها وفي تلك الساعة التي توقفت فيها الكرة الأرضية عن الدوران توشحت سهام بالسواد وأعبست وجهها الذي كان ينطق بكل أشكال الغضب, وخرجت في موكب جنازتها تحدق بحبيبها الذي سيتلو بعد ساعات آيات الرحمة على قصًة حبهما التي ستكتب نهايتها امرأةٌ غريبة, لم تذق بعضاَ من قسوة الحرمان والانتظار طيلة اثني عشر عامًا, أما إبراهيم فكان يسرق النظرات الخجلى من سهام مشفقاً على قلبها الذي لم يحلم يوماً بأن يكون إلى جانبه قلب آخر. وهناك جلس الجميع بانتظار ما خشيت سهام حدوثه طوال الفترة الماضية حيث كانت الوجوه الضاحكة سكاكين تعمل بجسدها المتعب, فأخذت تبكي بلا دموع وتصرخ بصمت تسمعه كل كائنات الكون ما دون المتواجدين في الغرفة, وفجأة دخلت قاتلة الأحلام تحمل بيدها أكواب السم مرتدية ثوب السيّاف الذي سينقض بحسامه على عنق سهام, وأخذت توزع أكواب العصير حتى وصلت إلى إبراهيم الذي افترسها بعينه وهو يحدق مسحوراً بمفاتنها الصارخة عندها, ولم تشتغل عينا سهام بقاتلتها الساحرة, إنما بوجه إبراهيم الذي احتلته علامات الخيانة من اللحظات الأولى, فاهتزت المعمورة من حولها وأطبقت السماء على الأرض وخرجت عظام الموتى من جحورها تنعي شهيدة الحب المغدورة, حيث سقطت سهام مغشيا عليها في لوحة قهر رسمت بريشة زوج لا يعرف طعما للفنّ.
انطلق بها كالمجنون إلى المستشفى فقد أبت الاستيقاظ في بيت قاتلتها كي لا تفتح عينها على مشهد موتها من جديد, ولسانه يلهج بالدعاء أن لا يصيبها مكروه, وقلبه يلعن اللحظة التي فكَّر فيها بالزواج من امرأة جديدة, همُّه الوحيد أن تستيقظ حبيبته فقط, وهناك بكى كالطفل على باب الطبيب مستذكراً اثنى عشر عاماً كان ينظم فيها زوجته شعراً وحباً, ينام على صورتها ويستيقظ محتضنا قطعة قماش من ثوبها كانت قد هربتها له ذات مرة مع أهله.

وبعد ساعة من الانتظار القاتل حيث تجمعت العائلة في المستشفى افتتح باب الطبيب المختص وطلب من الجميع الدخول دون أن يتكلموا بشيء حيث كانت سهام لتوها قد استفاقت من إغمائها الطويل، والكل ينظر إليها ونحو الطبيب الذي كان قد سمع من إبراهيم ما حدث بالتفصيل, فأسرع إبراهيم نحو سهام يطبع قبلة على جبينها المتعب, وعيناها ترسلان الأسف له، على ما حدث فيرد عليها بتلك النظرات الحانية النظيفة من قبح قاتلتها..

وفجأة تحدث الطبيب وهو ينظر إلى وجه سهام: الذي يبدو أن نهاية قصتكما الجميلة لن تكتبها امرأة جديدة؟؟ فنظر الجميع نحو الطبيب بذهول واستغراب لتدخله في أمر لا يعنيه, فرمقته والدة إبراهيم بنظرات الاستنكار غير أنه سرعان ما أردف قائلاً: بل سيخط فصلها الجديد هذا الفارس الذي سكن حديثاً في أحشاء سهام..

فنهضت سهام عن السرير بجنون وهي تحملق بالطبيب واضعة يدها على بطنها دون أن تقوى على الكلام, فأكمل الطبيب: نعم ألف مبروك أنت حامل يا سهام, وسوف تصبح أبًا يا إبراهيم.
فأطلقت سهام ذهولها نحو إبراهيم الذي نطق الكون من وجهه فاحتضن الطبيب وهو يبكي ثم انحنى يقبل يدي سهام التي كانت تحمد الله على قدرته التي خالفت تشخيص البشر وتخاطب ذلك الرحم الذي رجع عن غيه مُعلناً نصرة العشق الذي أبت بويضاته السقوط عن جدار الأمل .

من هو الأسير عمار حماد عيسى الزين
من مدينة نابلس,
تاريخ الميلاد 15-1-1975, متزوج, عدد الابناء ابنتان.
الحكم ستة وعشرون مؤبدا وخمسة وعشرون عاما
تاريخ الاعتقال 11-1-1998م