قصة عادل وتشرشل..


الكاتب/ يوسف بن حسن حجازي

وصل عادل غرفة السكرتير, طلب مقابلة المدير سأله عن السبب فسرد له شيئا مما في جعبته, أشار عليه أن ينتظر حتى يخبر المدير, وترك مكانه لحظات.. أما عادل فأخذ يمسح عن جبينه قطرات العرق, وبعد هنيهة أُذن له بالدخول, تقدم بخطوات هادئة نحو المدير, وإذا المدير امرأة تتربع على كرسي الإدارة كالرجال, قُبض قلبه, أخفض بصره ورد السلام..
- تفضل ما مشكلتك؟
- الأمر بسيط.
- ما ذاك؟
سرد مشكلته فتغير وجه العجوز, وقالت : أأنت منهم؟ وتقول إن الأمر بسيط؟!
- نعم هذا ما أرى.
- فأنت لا ترى شيئا, ونحن هنا لسنا أصحاب هذا القرار, القرار جاء من الوزارة.
- وماذا أصنع؟
- ارجع إلى الوزارة واسأل هناك.
- شكرا يا سيادة المدير.. أقصد المديرة.
خرج وهو يهذي ويغمغم: (المدير امرأة, ولا تملك من أمر الإدارة شيئا, وكيف اسمها مدير؟ ليست إلا حجر شطرنج يحركه غيره, بئس النساء المترجلات.. بئس النساء المترجلات.. هل خلت الأمة من الرجال ذوي الشهادات والمهارات؟!)
خرج عادل من هناك مضطربا, أوقف سيارة أجرة متجها إلى الوزارة مغموما مهموما يردد (الحمد لله) مرة بعد مرة.
دلف بوابة الوزارة ومضى بخطا ثابتة وقورة إلى حيث المسئول عن القرار, سأل فأرشدوه, وأخبروه أن مصدر القرارات اسمه تشرشل, ومكتبه في الطابق الثالث.
شكر عادل الرجل ثم قصد مكتب تشرشل, المصعد مزدحم لذا استخدم المراقي, وبعد جَهْدِ الصعود وجد غرفة على بابها مكتوب: (مكتب وكيل الوزارة تشرشل), همهم: (الحمد لله وصلت أخيرا), وكلما اقترب من باب المكتب ازداد خفقان قلبه لأنه يظن أنه سيقابل رجلا فريدا ومتعلما رشيدا, وصل السكرتير الخاص لتشرشل:
- السلام عليك.
كان السكرتير يعبث بالحاسوب الالكتروني وعندما سمع صوت عادل التفت إليه كأنه سيواجه عدوا, ثم رد بخشونة:
- وعليك السلام, ماذا تريد؟
جلس عادل على كرسي أمام مكتب السكرتير, ثم قال: أريد مقابلة وكيل الوزارة.
- لماذا؟
- وهل أنت محقق؟
- هو كلفني بذلك.  
قص عادل الخبر, فأخبره السكرتير أن مشكلته معقدة جدا وتحتاج إلى جهات عليا حتى يمكن حلها, وعليه أن ينصرف لأن الوكيل غير موجود في مكتبه.
ترك عادل الوزارة خائبا, وبعد أيام عاد إلى مكتب الوكيل تشرشل.
دخل على السكرتير, وإذا السكرتير هذه المرة فتاة, رد السلام على استحياء, وطلب منها مقابلة الوكيل, تركته هنيهة ثم عادت لتأذن له بالدخول.
وما أن سمع الأذن حتى بدأ قلبه يخفق, وأعطافه ترتجف, وبخطوات بطيئة ونظرات ثابتة دخل على تشرشل, رأى مكتبا يجلس خلفه رجل قصير ذو لحية يخالطها الشيب, رد عليه بكل هدوء السلام,
- وعليك السلام.
- جئت إليك بموجز الكلام.
- قل ما شئت بكل احترام.
- قد بلغني كتابكم المتضمن إيقافي عن العمل, قلبته لأنظر السبب وأبحث فيه عن العلل, وجدت المعضلة لا في العظم أو العضل, إنما فيما أدنى من القشور قد نزل, فقلت تأخذ الوزارة بالفضلة وتترك من فضل, لربما أرادت أن يكون لقرارها المحل, لكنما لا, فهي وزارة لا مغارة للهمل.
- وماذا جاء فيه؟
- أني موقوف بسبب عدم حضور دورة تهيئة المعلم التي عقدتها الوزارة.
- وما منعك من الحضور؟ ألم تعلم أن عدم اجتياز الدورة يؤدي إلى الفصل.
- قد شغلني عن الدورة أمر قد حصل, فامتحان الدورة بامتحان الجامعة اتصل.. وليس من العقل بعد تثبيتي في العمل, أن يأتي الخبر أن اسمي انفصل, لا لشيء إلا لأني زهدت فيما سفل, فما كانت الدورة يوما معيار من وصل, بعد أن اجتاز امتحان التوظيف دونما خلل, وحصل على رقمه الوظيفي وشأنه قد اكتمل, فكيف تؤثر الدورة على مُعَيلمٍ شغل, كيف أيها الوكيل وكيف يا من عقل؟!!
- يعني وصلك القرار..
- لا, لم يصلني القرار.
- وهل الجامعة أفضل من الوظيفة؟
- لكني لم أقصِّر في الوظيفة.
- بل أنت مقصر.
- لا, لستُ مقصرا بل لديَّ عذري.
- ما قلتَه ليس عذرا, فالوزارة لا شأن لها بالجامعة.
- وماذا الآن؟!
- الآن أنت مفصول...
- كيف ذلك ؟ فهذا غير معقول!!
- القرار قد صدر ومهما كان صعبا يجب تنفيذه.
- ما القرار إلا ستار انسدل, يمكن إلغاؤه بقول أو أقل, وأنا أملك رقما ماليا من الدولة, فكيف أُفصل بشكل غير قانوني.
- قلت قانون, وهل يوجد في الدنيا قانون, أنا صاحب القرار وقولي الذي يكون, ورقمك أوقفه بمكالمة تلفون.
- وهل نحن نلعب؟ وكيف ستوقفه؟ ما قلتَه ضَربٌ من الجنون.
- أقول لهم: إنك مجرم وتستحق الفصل.
- وأي جريمة هذه؟
- جريمة الاستهتار بالدورة.
- فعلا إنك مغبون وقولك قولَ مأفونٍ, وما شأن الدورة في الوظيفة؟ قل لي..
- هي التي ستحدد مصيرك الوظيفي.
 - المصير بيد الله.
- تثَّاقلون من دورة صغيرة, وتلوموننا إذا حاسبناكم عليها, كيف سنتطور بأمثالكم كيف؟ اذهب وانظر إلى اليابان لتعلم كيف تطورت, المدرس هناك يعمل تسع ساعات متواصلة.
- نعم يا سيد, لكنه في المقابل يتقاضى راتبا كراتب الوزير, لا كراتب عامل البطالة.
- هل تريد شيئا آخر؟
- لكني حصلت على أعلى الدرجات في امتحان التوظيف والمقابلة.
- أنا لي في الدورة.
- الدورة لمن لم يجتز الامتحان أي للضعفاء.
- المعلم الذي استهتر بالدورة معلم فاشل.
نظر عادل إلى الطاولة المكسوة بالزجاج أمامه, ثم  غمغم: صدق شوقي صدق
قل لي متى أصبحت يا***أدنى الورى فطنا فصيحا
- ماذا تقول؟
- لاشيء.. لا شيء, إذًا تقول إني مفصول لأني فاشل.
- صحيح.
- هذا كل ما عندك, ألا يوجد بدائل..
- قد نرأف بحالك ونرجعك إلى العمل بعقد خاص.
ضَحِكَ عادل في مكتب التخلف ضِحكة عريضة وقال:
- قبل قليل قلت إني فاشل, والآن سترجعني بعقد خاص, إذًا المسألة ليست فشلا, كيف ستجعل إنسانا فاشلا حسب ادعائك مدرسا؟ قل لي هيا..!! قل يا وكيل قل.. أنا أخبرك ما الأمر, الأمر هو أن ترى نفسك صاحب قرار ليس إلا.. كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد..
صمت تشرشل قليلا ثم قال: هذا ما عندي أتريد غير هذا؟
- أريد أن أتكلم مع رجل رشيد...
- وأنت مع من تتكلم؟!
- مع متخلف بليد.
- كيف تقول هذا؟!
- أنا لا أقول لكن فعلك الشهيد.
- يبدو أنك غير محترم.
- بل الاحترام سمتي, لكنْ له حدود.
- لو سمحت انصرف من عندي.
- سأنصرف يا وكيل وزارة التنحية والتحجيم, سأنصرف, وشكرا للوزير والوكيل والعمال والحمير وكل من يخدم سياسة التجهيل والتحجير.. أقصد سياسة التعليم والتطوير حسب تفكير الوكيل ومَن على ذات المسير.
- قلت انصرف الآن.
- سأنصرف..سأنصرف, وداعا يااا.... وكيل.
غادر المكان مهموما بخطوات ثقيلة يجر جسده على مراقي المبنى محدثا نفسه (أي تخلف هذا؟ بعدما تركت وظيفتي الأولى لأجل وظيفة التعليم التي حصلت عليها تميزا بفضل الله, يأتي متخلف كتشرشل يريد أن يفرض شخصيته المهزوزة بتنفيذ قرار علينا, لو كان صاحب حق لفصلَ كلَّ من شابهنا, لو كان حريصًا على المصلحة لما فصلنا بسبب الفشل كما يدَّعي كذبا ثم أرجعنا بعقد خاص, أيُّ جهل هذا؟ إنه إشباع رغبات... أو لمجرد التفاخر بالإنجازات حتى لو كانت الإنجازات تافهات)..
ثم مضى والوساوس تؤرق راحته, يفكر ماذا سيصنع الآن؟ ليس همُّهُ في الحقيقة جمعَ الأموال بل ما يقلقه أنه أَقْلَمَ حياته على قدر أمواله, فالتحق ببرنامج الدراسات العليا, وإذا تم إيقافه عن عمله فلن يكون قادرا على تسديد رسوم الدراسة, وكان يرغب في إنجازها بسرعة ليتسنى له إكمال درجة الدكتوراه, ويبدو أن العقل المتحجر الذي يملكه المتفلسف تشرشل حطم حلمه.
فقفزت إلى ذهنه فكرة ظن فيها النجاة, ورأى الأمل في تنفيذها وما درى أن الأمور تتضافر أحيانا ضد الإنسان ليصيب قدره, فرأى أن يرسل كتابا بالمشكلة إلى رئيس الدولة ومجلس الأمة, وعندما أرسل جاءه الرد (أنت المجرم أنت الجاني), أما تشرشل فينبغي أن يُكَرَّمَ كرجل متميز, الكلُّ يضرب على نفس الوتر, فعلا متميز في التخلف عندما يُقصي من تميز ويُقَدِّمُ من فشل في امتحان القدرات العلمية... متميز في التخلف عندما يفصل موظفا رسميا لا لشيء إلا لأنه تغيب عن دورة تقليدية عقدتها وزارته التي تفقد معنى المسؤولية...
وعندما بلغه رد الرئيس ومجلس الأمة, غمغم (الحمد لله لو كان ابن الوزير أو الوكيل هو المصاب لجاء الوزير بفلسفته وبراهينه ومنطقه ليثبت عذر ابنه, الحياة لا ترحم, نعم, الحياة لا ترحم).
وما كان له إلا أن يسلم أمره لله ربه كما هو من البداية, رفع يديه لرب العالمين وتمتم: (الحمد لله, الحمد لك ربي, أنت حسبي وأنت نعم الوكيل, سلمت لك أمري من قبل ومن بعد, ما كان سعيي رفضا للقضاء إنما أخذا بالأسباب لأني لا أدري أين أصيب قدري, فاغفر لي فما سألت غيرك, واغفر لي فما رجوت سواك)...
لا تدبر لك أمرا***فأولو التدبير هلكى
سلِّم الأمر تجدنا***نحن أولى به منكا
ابتسم ابتسامة عريضة في وجه الحياة, ومضى وهو يقول: الحياة فرص لا تنتهي, وبؤس اليوم لا يعني سوء الغد, سأمضي قاصدا ربي, لكن سأشهد للتاريخ والأجيال المتعاقبة أن الماضي حوى أمثال تشرشل كثيرا, رجالا يمنعون الحاضر من السير والتغير, ويبترون الغد المشرق, لكنه ما نضب من رجال يبعثون الأمل في النفوس وإنا لله وإنا إليه راجعون.....
ثم خلا في غرفته, وأمسك قلمه النازف بمكنون نفسه, وقال منفعلا: (سأكتب للتاريخ والأيام والأجيال حكاية الفاشلين المتخلفين كما أكتب روائع الناجحين الفاتحين), وبدأ يخط بيمنه, فكتب: ........ القصة السابقة ...


الكاتب
يوسف بن حسن حجازي
الخميس 18 نوفمبر 2010 , 12 ذي الحجة 1431
4:43 مساء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق