الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2011

لأول مرة كاملة (في الزرقاء)...



الكاتب يوسف بن حسن حجازي
في الزرقاء في بلد الصفاء, نزل جهاد بعد رحلة طويلة كأداء, كانت أياما بغيضة لكنه يشعر بلذة العناء, فقلبه متيم بالمغامرات, يعتقد أن الحياة إما أن تكون مغامرات أو لا شيء, أو لا قيمة, عبارة عن روتين قاتل, استأجر منزلا متواضعا في أحد أحيائها, ومارس حياته اليومية, كان صامتا هادئا لا يريد أن يثير الشكوك حوله, فهو لا يعرف أهل الحي جيدا, ويخشى أن يشتبه أحد فيه فيفسد كل شيء, ويخسر كل جهد.

يذهب إلى المسجد القريب, يقضي الصلاة وسرعان ما ينصرف, وبعد برهة ألف أهل الحي وألفه الحي كذلك, فصار يسامر أبا ياسر جاره القريب, وخليلا جاره الثاني, ونضالا البقَّال, وأبا سعد الوَرَّاق صاحب أكبر مكتبة في الحي.
وذا صباح مشرق بهيج بالنسمات الغضة, كانت سارة ترتمي في سبيل النسائم على شرفة المنزل, تنظر من خلف الستائر إلى شوارع الزرقاء الساحرة, أخذت تغمغم: (ما أجمل هدوء الصباح!! آه لو أن هذا الصفاء يدوم), وقبصت فنجان القهوة, وما أن لامس لَمَى شفتيها الرقيقتين أبصرت الشاب الذي كثيرا ما جذب قلبها, فأنزلت فنجانها وحرمت رضابها من ممازجة قهوة الصباح, ونادت عبيرَ (أختها الصغرى):
- عبيرُ... يا عبيرُ, تعالَيْ وانظري هناك، هل تدرين من يكون ذلك الشاب؟ أراه في الحي كثيرا.
حملقت الصغيرة في حيث تشير سارة, وقالت:
- أتقصدين ذاك الشاب ذا اللحية الخفيفة.
- نعم, هو, هل رأيتِه؟
- آه, أجل.. أجل, هذا اسمه جهاد وهو يسكن بجوارنا من مدة يسيرة, وقد استأجر منزل العم يعقوب.
- سكن بجوارنا!!
- نعم، سكن بجوارنا, وهو من فلسطين.
- ومن أخبرك هذا يا بنت؟
- أخبرتني صديقتي فاتن، فأخوها يعرفه جيدا.
نظرت عبير التي لم تتجاوز العاشرة إلى أختها نظرة استغراب ممزوجة بالحياء، ثم قالت بصوت خافت: - سارة... ولماذا تسألين عنه؟!!
- ماذا .. لا .. لا شي.
عبير باستهزاء وقد علا صوت ضحكتها الطفولية: آها.. تقولين لا شي.
ابتسمت سارة ابتسامة خفية : اسكتي يا بنت.
لم يكن سؤالها عنه عفويا بل هو صدى الأعماق, واللسان ترجمان, ويبدو أن قلبها وقع في أسر الغرام، لكن كيف لها أن توصل هذا الحب للمحبوب؟ ولو استطاعت فهل سيبادلها جهاد نفس الشعور؟ ولو لم يكن ذلك فكيف ستنجح في إيجاده؟
كلما أضحى النهار سارعت الفتاة الولهانة إلى شرفة المنزل، فقد حان وقت ذهابه إلى السوق، تراقب خطوه المهيب, ولم يبق للصبر على كتم أحاسيسها عندها سبيل، فرأت أنه يجب عليها أن تبدي ما تخفيه في صدرها.
بادرتها فكرة شيطانية, وزُيِّن لها نجاحُها, فرأت أن تكتب في قصاصة ورق صغيرة: (إن لي أقرباء في فلسطين وأريد أن أراك لأسألك عنهم لو سمحت لي بذلك) وترسلها له.
نادت على عبير بصوت خافت يملؤه الحياء تمده مداً: عبير يا عبير.
 كانت الصغيرة تلهو في حديقة المنزل، وعندما سمعت النداء أسرعت تجيب,
- نعم، أتريدين شيئاً.
- أريد منك طلباً صغيراً، أرجو أن تلبيه لي.
- إن استطعتُ...
- تستطيعين لكنْ عديني أن تفعلي.
- قولي هيا.
- طيب, خذي هذه الورقة, وضعيها في يد جهاد, لكن دون أن يراك أحد.
وببراءة الأطفال ابتسمت عبير وقالت: لكِ ذلك, لكن بشرط.
- وما هو؟
- تشتري لي حلوى من التي أحبها.
ضحكت سارة بعيون حائرة وقلب هائم, ثم قالت: وأنا موافقة.
ولَّت عبير وتركت أختها في حيرتها والوساوس تراودها (يا تُرى هل سيأخذ الورقة؟! وهل سيستجيب لما فيها؟ يا الله كم سأكون سعيدة لو استجاب!)
أسرعت الصغيرة مسرورة بوعد الحلوى لتوصل الورقة, وبعد صلاة العصر, انتظرت الفتاة الصغيرة خروج جهاد من المسجد, تنظر يمينا ويسارا (هل يراني أحد؟ لا, لا, يا رب يخرج الآن يا رب), وبعد لحظات أشرق المكان بوجهه, لم تتعجل, انتظرتْ, ها هو يقترب, مرَّ عنها, والآن.. الآن حان الوقت.
- عبير بصوت خافت ناعم: عمو.. عمو..
- التفت جهاد نحوها: آه, هل تنادي عليَّ؟
- أجل.. أجل.
- وماذا تريدين أيتها الصغيرة؟
 - خذ هذه الورقة, فهي لك.
- ورقة!!
ثم مد يده مترددا ليمسك الورقة, نظر إليها, قلَّبَها من الخارج, وقبل أن يقرأ ما بها, قال للفتاة الصغيرة: ما هذه الورقة؟ ومن أعطاك إياها؟
- اقرأها وستعلم.
ثم ضحكت ضحكة طفولية وأدبرت مسرعة.
- يا بنت.. يا صغيرة.. توقفي, توقفي.
لكنها واصلت سيرها وكأنها لا تسمع شيئا.
غمغم بقوله: (أمرها غريب! ما هذه الورقة؟! سأقرؤها لاحقا) ثم وضع الورقة في جيبه ومضى إلى المنزل في استغراب ودهشة, وعند باب المنزل استوقفه أحد الجيران, تحدثا قليلا, ثم دلف المنزل وقد أنساه الحديثُ الورقة.
استلقى على الأرض, وأرسل فكره ثم صمت هنيهة واعتدل بلهفة: (آه, الورقة تذكرت الورقة).
فتح الورقة وقرأها, وأخذ يغمغم: (أقرباء في فلسطين!! وما شأني بذلك؟! والتوقيع سارة!! سارة, مَن سارة هذه؟!) وضع الورقة جانبا ولم يشغل باله بها, فلقد جاء هنا لما هو أهم من ذلك.
كانت سارة تنتظر عبير, وما أن أهلَّت الصغيرة حتى بادرتها قائلة: ها.. ماذا حدث؟
- لن أخبرك حتى أرى الحلوى.
- سأعطيك ما تريدين, لكن قولي لي, هل أعطيتِه الورقة.
- نعم أعطيتُه إياها, وانصرفت بسرعة.
- وضعتِها في يده!
- نعم في يده.
- أمتأكدة أنت؟
- ما لك يا أختي؟! أنا متأكدة, متأكدة تماما.
انبسط وجه سارة ابتهاجا, لكن ليس بعد, فستكون سعيدة أكثر عندما يستجيب لها.
توالت الأيام ولكن لا رد, والشوق لا يعطيها مجالا للصبر, لكنها لم تقطع حبال الأمل فالظنون والوساوس لا زالت تنبش عقلها.
وفي يوم مشرق وقد طغى صفاء الضحى على الثرى, خرجت من دارها تمشي الهوينى تقصد الجامعة, وإذا جهاد يصادفها, والتقت العيون.. لأول مرة, التقت الفتاة المتبرجة اللباس السافرة الوجه، تزين الحليُّ شعرها، والعقد اللامع يبرق على جيدها الأبيض، عينان واسعتان اشتد سواد سوادهما وبياض بياضهما، وشعر أثيث مرسل ومجدل ترى فيه الليل إلا أنه براق، وقدٌّ نحيف مهفهف مستقيم،  قد جمعت من الحسن صفات, التقت بالشاب الطاهر الجذاب بأخلاقه.
خطف بصره مدبرا عنها حياء, أما هي فوقفت وقد جمدت أركانها, لم يعرفها لكنها تعرفه جيدا, لا مجال للوقوف أكثر, فالشارع لا يرحمه المارون, أوقفت سيارة أجرة تقصد الجامعة, وفي الجامعة كانت تجالسها نادية وتشاركها المقعد الخشبي في باحة الجامعة, تحدثها نادية لكنها شاردة الذهن, تحدث نفسها: (إنه فعلا يستحق ذلك, عيناه تخفيان الكثير, كأنهما بوابتان لكهف غائر مظلم يمتلئ بالأسرار والمفاجآت, ليته يستجيب) ربتت نادية على كتفها لتقطع وصال روحها:
- سارة, ألست محقة فيما فعلت؟!
- آه, نعم.. نعم بالتأكيد.
وبعد السهم الأول الذي أصاب عمق الجَنان, فقدتْ آخر ذرة صبر, وأصبح الأمر لا يحتمل أكثر من ذلك, ويجب أن تمتلك الجرأة للحديث معه في أقرب فرصة ولو كلمة واحدة تثير انتباهه.
اعتقدت أنه تشاغل عن رسالتها فأرادت أن ترسل له مرة أخرى لعله يتذكر, وما علمت أن قلبه يرنو لشأن عظيم أرفع مما تفكر فيه.
أرسلتْ مع أختها الصغيرة مرة أخرى ورقة كتبت فيها: (علمت أن لك علاقة بأقربائي في فلسطين, وأريد أن أطمئن عليهم, فساعدني في ذلك, أرجوك).
وقعت الورقة في يده, قرأها مستغرباً: (ماذا تريد مني هذه الفتاة؟ ألا يوجد غيري من فلسطين ها هنا؟!), ومرة أخرى تجاهل الورقة..
مرَّت أيام ولا زال الشوق يلهب قلب الفتاة المسكينة, وفي يوم مشهود, دخلتِ المكتبة القريبة من الجامعة لبعض شأنها, كانت تنتقل من رفٍّ إلى رفٍّ تنظر في الهدايا والحُليّ, وإذا به يدخل, لحظَ طرفُها ظِلَّه, فبدأ القلب يدُق ويهبط: (إنه هو... ها قد حانت الفرصة.... لو دخل سأتحدث معه... لا..لا, بل سأتحدث بكل جرأة وسأصارحه, نعم سأصارحه), وقطعَ حديثَ نفسِها اقترابُ جهاد من مكانها, وبينما كان يطَّلِعُ على الرفوف ينظر في صفوف الكتب, وإذا بالعيون تلتقي من جديد, أراد أن يصرف بصره لكن شيئا صَلَّبَ عنقه قليلا ثم تدارك الموقف فغضَّ طرفه وردد الاستغفار, وإذا بصوت ندي امتلأ حناناً: (ألا تريد أن تخبرني عن أهلي في فلسطين؟!) رفع بصره ثانية مندهشاً والتقت العيون....
لم يتكلم بكلمة واحدة, أُلجم الصمت, ثم غادر مدبراً بسرعة, جلس في منزله مستغفراً ربه لما حدث, إلا أن شيئا قد وقع في قلبه, حتى طغى على تفكيره, فأصبح يفكر في رسالتها الأولى والثانية وفي حديثها الناعم الحاني, بل إن صورة لها ارتسمت في ذهنه, تتقلب في ذاكرته, فتَغَيَّر قليلاً, بل كثيراً, صار يصلي لكن لا يجد لذة الخشوع, يقرأ القرآن فإذا به يسرح في الخيال, يستعيذ بالله, لكن:
إذا لَعِبَ الرجالُ بِكُلِّ شَيءٍ***رأيتَ الحبَّ يلعبُ بالرجالِ
صار من فرط عذابه يتعمد المرور بالقرب من دارها لعله يقتنص صورة أخرى لها, يبطئ السير في محيط مسكنها, يتمنى أن يتوقف الزمن في تلك اللحظة, يحاول إقناع نفسه أنه لا يبالي بها, لكن الميول يفقده حجة الإقناع.
وفي إحدى الليالي, وقد وغل الظلام وحان حين العشاق, مضى العاشق إلى فراشه الوثير, وأخذ يهذي بقول الشاعر:
في ظلام الليل لما عانق البدر النجومْ
واعترى الكون سكون وهدوء ووجومْ
واختفى كل حديث غير همس العاشقينْ
وأزيز وشهيق من صدور الخاشعينْ
استمال الليل قلبي وبه زدتُ افتتانْ
فبصدر الليل دفء وبكفيه حنانْ
فاتخذت الليل داري وبه طاب البقاءْ
وتخيلت بأني سوف أحيا في هناءْ
فإذا الليل كوحش وملاذ الخائفينْ
وإذا الليل سجون وسطها ألف سجينْ
وغمغم متقلبا في فراشه: صدق امرؤ القيس, ما أطول الليل على المهمومين!! ما أطوله!!
وبقي في لوعاته حتى صرعه النوم إلى أن قام لصلاة الفجر, وبعد الصلاة سمعَ أحدَ المصلين يقول لآخر:
- حسبنا الله ونعم الوكيل على اليهود, الله ينتقم منهم.
- ما لك يا رجل؟ هل حدث شيء؟
- أنت لا تشاهد الأخبار, قد دخلت قوات صهيونية مسلحة وجماعات يهودية متطرفة المسجد الأقصى الليلة الماضية واعتدوا على المرابطين فيه.
وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على قلب جهاد, فقد بترت تفكيره, وبدَّدتْ غرامه, وأعادت له رشده, وذكَّرته بما أتى لأجله..
أسرع إلى بيته, فتح التلفاز ليشاهد الأخبار التي ألهبت صدره, المشاهد أبكته كثيرا, رأى جنود الاحتلال الصهيوني يعتدون على الشيوخ والمصلين في المسجد الأقصى, والذي زاد عويلَهُ أنَّ الدنيا أنسته مهمته, بكى بكاء مُرًّا ثم ندم على سالف فعله وتاب وأناب, وجهز نفسه لينطلق إلى الأراضي المقدسة وينهي المهمة التي يخفيها في صدره, لكن الدخول إلى هناك من الزرقاء ليس سهلا, حاول جاهدا ليجد من يوصله إلى هناك, وأخيرا التقى بأحد الأشخاص الذين لهم صلة وثيقة بأبيه التاجر ليساعده على الوصول إلى حيث يريد, إذ إن هذا الشخص ذو منصب رفيع, وله معارفُ من حرس الحدود.
وفي صباح يوم مشرق, حمل متاعه وتوجه إلى الأرض المقدسة, والأفكار تراوده والآمال لا تتركه, والشوق يكاد يقتله, فهو الآن متوجه إلى الأرض الحبيبة, إلى أرض الأنبياء, إلى مسرى الرسول الكريم.
وبين طرفة عين وانتباهتها افتقد الجيران جهادا, أخبرهم يعقوب أنه سلَّم المنزل صباح أمس, وعندما جاءت الصغيرة بالخبر لأختها العاشقة كأن الأرض زُلزلت من تحتها: (ماذا؟ رحل!! كيف يكون ذلك كيف؟) خرَّت باكية لأنها أحبته بصدق, تمنَّتْ أن لو كان للوداد وصالٌ, لكنَّها متفائلةٌ برجوعه, لأنها أحست بحبه لها, فكانت على أمل اللقاء به قريبا.
وفي أحد الأيام كانت سارة كالعادة تجلس في شرفة المنزل تستنشق نسيم الصباح, وفجأة سمعت صوت عبير تنادي عليها بلهفة وتَهَدُّج:
- سارة.. سـ.. ساارة.
- ها أنا هنا, تعالَيْ.
أعطتها صحيفة اليوم, وقالت لها وهي تلهث:
- خذي, اقرئي الخبر الرئيس.
- وماذا هناك؟ ألا تعلمين أني لا أتابع أخبار الصحف.
- لكنْ فيها خبرٌ يهمُّكِ.
- وما هو؟ أبشري.
- اقرئي وستعلمين.
أمسكت الصحيفة وقرأت أول كلمات, ويَبُسَتْ حروف النطق بعدها, سقطت الصحيفة من يَدَيْها المرتجفتين, لتجري ينابيع الدموع المصحوبة بأنين الموجوع: (الآن انتهى كل شيء.. انتهى.. الآن عرفتُ سرَّ تلك العيون), وقعت الصحيفة على الأرض لكنها ما زالت تبسط صفحتها الأولى التي تعرض الخبر واضحا: (اشتباك مسلح بين قوات الاحتلال الصهيوني ورجال المقاومة الفلسطينية عند أبواب المسجد الأقصى أدى إلى مقتل واحد وعشرين صهيونيا واستشهاد المجاهد جهاد البطل)...

الكاتب
يوسف بن حسن حجازي  
الأربعاء
27أكتوبر2010
19ذي القعدة1431
9:56 مساء

الأربعاء، 27 يوليو، 2011

لن نصالح يا أراذل لن نصالح

يا كلاب الخلق أبدا لن نصالح
لو عليكم قد توقفت المصالح
لن نصالح
يا أساس الشرّ أبدا لن نصالح
لو إليكم قد سعت كلّ المسارح
لن نصالح
يا يهود 
لن نصالح
يا أراذل
لن نصالح
لن نصالح

يوسف بن حسن حجازي

الجمعة، 22 يوليو، 2011

فلسطين غالية

الكاتب/ يوسف بن حسن حجازي



حوارية الوطن



الشمس بعد قليل تودع الآفاق, ستائر الأشعة بجمالها تجذب الآماق, وعمر تسبقه خطواته يجب أن يصل قبل الغروب, فالأهل في لوعة واشتياق, وهو في لهفة لوصوله بعد طول الفراق, تدور عيناه الرقراقتان بالدمع الدفاق في سماء الوطن وأرضه وكل زُقاق, لا يكاد يصدق أنه بنعله يخطو على تراب الوطن, يسير على الأرض وكأن الهواء يحمل فؤاده, وفجأة...


انجذب إلى ناحية شارع بائس, جذبه منظر فتى صغير, رآه يبكي بعيون تخفي كنز أسرار, لفت عنه الطرف فرد قلبه الضمير, فضوله بل رحمته دفعته ليسأل:


- ما يبكيك يا فتى؟ قل لي ولا توجل..


سمع الفتى صوتا غضا عطوفا فأخذ يواري الدمعات, وأسرع يمسح بساعده الأيمن آخر ما نبع من عينه البريئة الكسيرة, ثم نظر إلى عمر مستغربا: (ماذا يريد؟ أحقا يوجد في البلاد من يشعر بالعباد؟).


بكل هدوء وحنان تهادت يد عمر الناعمة لتمسح على رأسه الجميل, ثم قال:


- كفكف دموعك فأنت رجل, والرجال لا يبكون..


خيم الصمت هنيهة إلى أن تبدد بشهقة مشحونة بالآلام, انطلق بعدها فو الفتى بالكلام:


- يا عم, أما تدري ما يبكيني؟


ألم تسمع بقصتي وشجوني؟


أما علمت ما حلَّ بداري؟


أم لم تدرِ ما الذي أظلم نهاري؟!


قد نسي عمر الاشتياق والفراق وكل أرض وزقاق بعدما سمع الصوت الرقيق يفصح عن كلمات صادقات بدليل العبرات وهيئة النظرات..


ربت عمر على كتف الفتى ثم قال: وما خبرك يا ولدي؟!!


انحدرت دمعات ساخنة وتقلقلت حروفه بين شفتيه الرقيقتين ثم قال:


يا عمُّ..


كانت لنا أرض فيها الخير والإيمان..


فيها الحب فيها الود وجمال الترب والأغصان..


فيها المجلس والبستان..


ومجمع أهلي والجيران..


وكان السعد يغمرنا.. والبأساء تهجرنا..


وفي ليلة دهماء..


في ليلة دهماء كاد لنا الأعداء..


فغطوا ضوء البدر,,


بالظلم وبالغدر,,


ونزفت الدماء.. بكل رأس وصدر..


تنهد الفتى وتابع الأسى:


جاء الهاغاناه.. ليعدموا الحياه,


غصبوا منا البستان..


سرقوا أرض كنعان,


وصرنا كالقطعان..


شريفنا مهان..


صغيرنا مدان..


وبعد الامتهان قلبوا البيان.. للسائل الحيران,


فقالوا: لنا الأرض ونملك البرهان!!


ونصرنا الفرض ليعمَّ الأمان..


لقد ذقنا الويل من هتلر والألمان,


وحُرِقنا بالكيل في خنادق وأفران!!!


والنصر هدية صبرٍ أهداها لنا الزمان..


وعلى مجلس الأمن تصديق البيان.. فذا هو الخيار وعدل الميزان..


ويا عم يا صاحب السؤال..كلهم أنذال.. كلهم كلاب,


فقصة العذاب من غث الكتاب,


حتى وإن حقا فجمعهم ذباب,


هم مصدر الفساد ومركز الخراب..


وبعد الإشفاق أتاك الجواب, فهل لك عمُّ حق في العتاب, ألست معذورا إن كنت في اكتئاب؟!! ألست مظلوما ألست في عذاب؟!!



هز كلام الفتى جسد عمر, وسرت القشعريرة في كل شعرة من بدنه,لم يملك أمر دمعه, حاول أن يداريه ليحافظ على رجولته, لكن كيف له أن يعدم مظاهر الرحمة وملامح الحب والانتماء, تماسك ثم قال بصوت خفيض:


ولدي لا تحزن..


سننصر لا تحزن..


سنعود بالأحسن..


سنهزم الأرعن..


سيهلك الألعن..


سينتهي الغازي أيما نهاية, وسنرفع للأعلى للأعلى الراية, وسنكتب في النصر ألف رواية..


سنعود إلى أرض الوطن,


وننسج من حبر الزمن,


أحلى حكاية..


لا تبكِ ولدي لا تبكِ فأنا المفترض من يبكي أنا المصاب يا ولدي أكثر منك لو تدري..


فأنا من جورة عسقلان, وتهجيري زاد من قهري..


طُردنا منها من ضعف..


وضعفي ما أضعفَ أمري..


فعزمي أشد من الحديد, وإذا جلستُ كالقعيد أبكي ضعفي فلن أزيد, ولن أغير ما أريد, ولن أَفيد أو أُفيد, فليس من سبل الرشيد, البكاء أو النحيب, لإعادة المجد التليد بسيادة اليوم الجديد..


فإن كنتَ تحبُ البلاد فاجعل حبك مشعلا ينير السبيل, واجعل حزنك وقودا يذكي المشعل للخبير والجهيل..


وسر بالأمل والتفاؤل للتغيير والتعديل..


وابدأ بالإرادة.. واصبر للسيادة..


فإن أردت الوصول, فلك ذاك بضريبة الحصول..


والضريبة تعني التضحية بالمأمول..


فالمحب إن استنكف عن التضحية لأجل حبه فلا يستحق المحبوب, هذه الدنيا لا تنتظر المتباطئين..


فهيا يا ابن الأكرمين..


قم يا ابن فلسطين..


ولتحمل السلاح...


وتعلن الكفاح...


لسحق الاحتلال.. ولطرد الأقتال...


تقدم,, تقدم وكن منارا للأبطال..


كن منارا للأجيال..


قم حطم الأغلال..


قم ولدي إلى النضال..


قم ولدي إلى النضال..


يوسف بن حسن حجازي

فليسقط الاحتلال البغيض...


قصة فلسطين لا تريد من يترجمها...

الاثنين، 25 أبريل، 2011

عناصر الرواية

بسم الله الرحمن الرحيم



الروايــة:
هي فن سردي نثري يجمع بين الحقيقة والخيال يتصف بالطول عادة[1].
* عناصر الرواية :
الشخوص, الزمان, المكان, الأحداث, الصراع , النظم, الفكرة, النهاية والحل, اللغة, الكاتب.
1- الشخوص:
هي التي تتشكل بتفاعلها ملامحُ الرواية, وتتكوَّن بها الأحداثُ, لذا فعلى الروائيّ أن ينتقيَ شخوصَ روايته بحكمة بحيث يجعل الشخصية المناسبة في المكان المناسب.

تنقسم الشخوص إلى قسمين: إما أن تكون صادقة يمثلها البشر أو كاذبة تتجسد في الحيوانات أو الجمادات, وقد يجمع الروائي بين البشر والحيوانات أو الجمادات في خياله الروائي, وسبق أن قرأت  قصة قصيرة دارت أحداثها بين قلم وممحاة.

• ويمكن أن أُقَسِّمَ الشخصيات من حيث الدور الذى تقوم به إلى:
شخصيات رئيسة وشخصيات ثانوية, فالشخصية الرئيسة هي التي تتواجد في المتن الروائي بنسبة تفوق الخمسين بالمائة, وتبرز من مجموع الشخصيات الرئيسة شخصية مركزية تقود بطولة الرواية.
أما الشخصية الثانوية فهي كالعامل المساعد في التفاعل الكيميائي يأتي بها الروائي لربط الأحداث أو إكمالها, وهذا لا يعنى أنها غير مؤثرة, فإن كانت كذلك فما الحاجة إلى الاستعانة بها إذًا, بل تكون مؤثرة لكنها غير مصيرية, تحرف مسار الرواية أو تضيف حدثا شائقا.
فلو نظرنا إلى رواية المهلة الأخيرة للكاتب الروسي فالنتين سبوراتين لوجدنا أن روايته بِطُولِها تدور أحداثُها بين شخصيات قليلة - بين الأم وأولادها والجارة -  ونجدُ نسبة حضور الأولاد مع الأم متقاربة مما يجعل اعتماد نسبة الحضور لإعطاء صفة الرئاسة لشخصية ما صعبا, أي أن الشخصية الرئيسة قد تكون واضحة يمكن معرفتها بسرعة وقد تكون صعبة التمييز, وفي هذه الحالة يحظى بالمركزية الشخصية المؤثرة على باقي الشخصيات.

• ويمكن تصنيف الشخصيات من حيث الظهور إلى:
شخصيات كروية وشخصيات ثابتة, فالكروية التي تأخذ أكثر من شكل للظهور في الأحداث, أي أنها ذات مظهر متغير فقد يظن القارئ أو يظن شخوص الرواية أنفسهم  أن هذه الشخصية شريرة ويتضح في النهاية عكسُ ذلك, أما الثابتة فتأخذ مظهرا واحدا من البداية إلى النهاية في الرواية.

ولكل شخصية في الرواية أبعاد ثلاثة, هي:
. البعد التكويني: ويشمل الجانب الخَلْقيّ كالطول والجَمَال والنحافة, والجانب الخُلقيّ كالصدق والأمانة وحسن المعاملة.
. البعد الاجتماعي: وهو كل ما يرتبط بالشخصية من محيطها الخارجي, ويشمل الجوانب الثقافية والمكانة الاجتماعية والعلاقات المختلفة.
. البعد الوجداني أو النفسي: وهو كل ما يؤثر على الشخصية من مكنون نفسها, كالرغبة والمزاج والمشاعر المختلفة.
ولا شك أن الأبعاد الثلاثة تؤثر في بعضها البعض, فقد تتكوَّن لدى الشخصية حالةٌ نفسية معينة بسبب عيب خَلْقيٍّ مثلا, وقد تُسبِّبُ هذه الحالة اعتزال الشخصية للمجتمع أو فقدانه لعلاقاته مع الآخرين.
 وليس بالضرورة أن تظهر هذه الأبعاد في متن الرواية لكل شخصية, لكن لا يوجد شخصية دون الأبعاد السابقة.
وإن أجاد الروائيُّ اصطفاء الشخصيات الملائمة بالصفات المناسبة للأحداث فستكون بدايته موفقة بوضعه الأساسَ الأولَ الذي ستجري به الأسس الأخرى.

2- الزمن:
وهو الموجود المعنوي الذي يدرك بالموجودات الحسية, فتغير المحسوسات يوحي بتقدم الزمن , ولولا التغير لما أدركنا الزمن.
وعند الحديث عن الزمن علينا أن نتناول عدة أبعاد, فللزمن أبعاد ثلاثة:
زمن وقوع الأحداث, وزمن كتابة الأحداث, وزمن قراءة الأحداث.
والذي يخضع للتحليل عادة زمن الوقوع, أي وقت وقوع الحدث ومدته, ويمكن تقسيمه إلى:
- زمن توقيت الحدث: قد يكون فلكيا: (صباحا, مساء, الساعة الثامنة..), أو مداريا (شتاء, صيفا), أو حدثيا (زمن الاحتلال, عام النكبة, يوم النكسة, عام الفيل...).
- زمن مدة الحدث: أي المدة التي استغرقها الحدث في وقوعه.
وعند دراسة زمن مدة الحدث فمن الجيد أن أورد ما حواه تصنيف جيرار جينيت للزمن  في الرواية, حيث ذكر محاور ثلاثة وهي: الترتيب والديمومة والتواتر[2]...
أما الترتيب فيقتضي مراعاة ارتباط الحدث بما قبله وما بعده وما زامنه, ويتم ذلك ضمن إطار الاسترجاع والاستباق, فيجمع الروائي مع وقت الحضور حاضرًا آخر أو الماضي أو المستقبل محاولا إعطاء الحدث بُعدَه الكامل ووصفه الملائم.
والاسترجاع هو ذكر أحداث وقعت سابقا, وقد يكون داخليا يتمثل في الرجوع إلى أحداث ذكرت في الرواية, أو خارجيا يكون بالرجوع إلى أحداث وقعت خارج المتن الروائي.
أما الاستباق فهو ذكر ما لم يحدث بعد, ويكون داخليا وذا بذكر أحداث لها نصيب من التواجد في المتن الروائي بشكل لاحق للحاضر, أو خارجيا كذكر أحداث مستقبلية خارج إطار المتن الروائي.
وعادة يلجأ الروائيون إلى استخدام الاسترجاع أكثر من الاستباق, لأنهم بالاسترجاع يربطون الأحداث أو يكملون الوقائع, أما الاستباق فمن شأنه أن يفقد السرد عنصر الإثارة والتشويق, فذكر ما سيكون يُكَوِّنُ صورة عامة في ذهن القارئ عن الأحداث اللاحقة الأمر الذي يجعل القارئ يعزف عن إكمال القراءة , فطبيعة الإنسان أن يترك قراءة ما يعلمه سابقا أو يعرض عما يتوقعه لاحقا.
أما الديمومة فهي زمن دوام الحدث, وتتفاوت في الرواية بين لحظات تستغرق عدة صفحات وبين أيام أو شهور لا تأخذ إلا عدة أسطر, وتأخذ الديمومة تقانات أربعة هى: الحذف, والمشهد, والوقفة, والخلاصة, والتداول بينها يكون حسب ما تقتضيه الغاية[3].

فعندما يترك الروائي أحداثا دون ذكر فهذا هوا الحذف, كما نري في رواية (عذراء جاكرتا) للروائي نجيب الكيلاني, حيث نجده في الفصل السابق للأخير يذكر حدثا حيويا يركز فيه على شخصية المحرر الفني ولا يذكر ما حصل مع باقي الشخصيات وكيف تمكنوا من الهرب بل اكتفى بذكر نهاية الجميع لأن التفصيل لا يؤثر في الغاية, بالإضافة إلى قدرة السامع على تصور الأحداث, وإذا كان الأمر كذلك فإن التفصيل يبعث الملل ولا يجعل للقارئ فرصة التفكير وإمكانية لربط الأحداث بالواقع الذي يعيشه ويدركه كل إنسان في عالم الحضر.
وعندما يعرض الكاتب الحدث مفصلا فإننا نسمي ذلك (بتقانة المشهد), وكأن القارئ يشاهد الحدث أمامه بكل تفاصيله, ويلجأ الروائيون إلى هذه التقانة عند سرد الأحداث المثيرة للقارئ أو ذات النهايات المؤثرة, إذ يحاول الروائي أن يزيد من وصف الحدث لاعتقاده بأن القارئ سيبقى مشدودا له أثناء القراءة, ويحاول كذلك ألا يجعله أطول من حده اللازم كي لا يتحول المشهد من جذاب إلى عذاب يتمني القارئ الانتقال عنه, فالمشهد المضحك مثلا لو بقي على وتيرة واحدة فإنه يفقدُ حيويته, إذ لا بد من الصعود والهبوط لسحق التأقلم النفسي الناتج عن طول فترة المثير التي تخمد فتيل الانفعال المتصف بقصر مدته غالبا.
ويمكن أن نلمس هذه التقانة عند القصصي الروسي أنطون تشيكوف في غالب إصداراته, منها قصة (زيت البرافين), إذ نراه يذكر أحداث قصته بالتفصيل وكأنك عندما تقرأ ذلك تراه أمام عينك .

وعندما يسرد الروائي الأحداث بشكل دقيق يكاد الزمن فيه لا يتقدم فإننا نسمي ذلك بالوقفة, وقد يعتقد البعض أن الوقفة من شأنها أن تجمع متناثر المَلَل, وليس الأمر كذلك, لأن الروائيَّ يلجأ إلى مثل هذا النوع من السرد في المواقف المصيرية ذات التأثير النفسي الكبير, مثل: لحظات الاحتضار, أو لحظات الوداع, أو في المشاهد ذات الطابع الرومانسي بين عاشقين, فإن القارئ مع مثل هذه المشاهد يكون في قمة الانسجام والتفاعل لأنها تداعب عمق المشاعر.
من ذلك مثلا ما نجده عند فالنتين راسبوتين الروائي الروسي في نظيمته (المهلة الأخيرة) فقد وقعت روايته في أكثر من مائتين وسبعين صفحة ولم تتناول إلا أحداث ثلاثة أيام أو أربعة.

وعندما يسرد الروائي أياما أو شهورا في أسطر معدودة فليس هذا إلا التلخيص أو الخلاصة, ويبدو لنا أن الفارق بين الحذف والتلخيص يتجسد في أن الحذف لا يذكر شيئا من الأحداث التي يمر عنها إذ تفهم ضمنا, وأما التلخيص فيفضل الروائي توثيق أحداث طويلة بشكل موجَزٍ موجِزٍ, ومنجَزٍ منجِزٍ لقلة مردودها التأثيري.
وأما التواتر فيتعلق بقضية تكرار بعض الأحداث, والأصل في معنى التواتر التتابع بشرط وجود مهلة بين المتتابعات كما في اللسان, وإذا أسقطنا المعنى السابق على مفهوم التواتر عند الروائيين نجد أنه عبارة عن اتْبَاع حدثٍ لحدث لفظا ومعنى كالاتصال التكاملي بين الحدثين, أو لفظا دون المعنى كأن يأخذَ الحدث نفس المنحنى اللفظي دون ارتباط تواصلي بين الحدثين.

ويأخذ التكرار في الرواية أضرب ثلاثة, فالضرب الأول يتبلور بسرد حدث وقع مرة واحدة عدة مرات, ويلجأ الروائي إليه في الأحداث الجوهرية التي من شأنها أن تثير جدلا وتفاعلا بين شخصيات الرواية أو تعيد الحيوية للحدث عند ذكرها.
أما الضرب الثاني فيمكن تصوره ببساطة فهو ضد الأول إذ يسرد الروائي حدثا وقع عدة مرات مرة واحدة, وذاك لأجل التخفيف عن روح القارئ المندفعة صوب متابعة الأحداث, ويبدو ذلك في الأحداث التي لا تعني الشخصيات كثيرا والتي لا تستدعي اهتمام الكاتب لاعتقاده بانعدام أثرها الرجعي على القارئ أو أبطال روايته أو أحداث منظومته.

ويبقى الضرب الأخير لثلاثية التواتر, وهو ثالث الأضرب في مجال التذاكر, تتبَيَّنُ هيئته بسرد متكرر لوقائع متكررة, إذ يقوم الكاتب بذكر ما وقع أكثر من مرة عدة مرات, ويستخدم الروائي هذا الضرب إذا رأى أن الحدث لازمُ الذكر ليتم به ترابطُ الأحداث.
هذا بالنسبة للزمان في الرواية وما يتعلق به...



3- المكان:
هو المحيط الذي تجري عليه الأحداث أو تدور فيه, ويرتبط جدًا بالزمان إذ لا فصل معقول بينهما, فإذا ذكرتَ الصباح فلا بد أن تذكر أين طلع, وعلى أي مِصرٍ سطع, وفي أي أفق لمع؟ وإذا أوردت الشتاء فليس لك أن تجعله مُعَلَّقَ البرد والماء, لا يقرس حضرا ولا يصيب صحراء, إذ يتوجب عليك التحديد بمسقِط البَرَدِ ومَوضِعِ الجليد, والمكان يتفرع, وليست الفروع تقيم إنما تخضع للتقليم والتقييم, ليوضع منها المناسب للأحداث التي تناسب, وها هي للمُطالِعِ واضحة المَطالعِ :
فالمكان إما أن يكون مفتوحا, وهو المكان المحدود بغير البنيان, والمكشوف للعيان, كالشارع والسوق الواسع وموقف السيارات والحدائق.
أو مغلقا وهو المحدود ببنيان والمستور عن العرفان, بما تحضنه الجدران, كالحجرة والغرفة والفندق والسجن والسيارة والقطار.
أو لا متناهيا وهو مجهول الحدِّ باللحظِ أو بالعدِّ, فلا يسعُنَا أن نرسمَ ملامحَه, أو نجمعَ جوانبَه, أو ندركَ سرائرَه, مثل البحر والغابة والصحراء.

وقد يكون المكان عاما يشترك فيه الجميع كصالة الانتظار والمستشفى والسوق, وقد يكون خاصا بشخص أو بمكانة, فالخاص بشخص هو الذي يخضع لملكية هذا الشخص كالمنزل والمحل التجاري, والخاص بالمكانة هو الذي يخضع لسلطة الشخص كمكتب المدير أو غرفة السكرتير, فهذا لا يتملكُ المكان إلا لمكانته فإذا حلَّ شخص آخر مكانه فإنه سيحظى بالمكان.

وقد يكون المكان مرئيا يمكن إدراكه بالرؤية العينية كالمدرسة والشاطئ والصين وسوريا, أو يكون تصوريا وهو الذي لا يمكن رؤيته, فيُضْطَرّ الإنسانُ إلى تصوُّرِه, مثل الجنة والنار والسماوات.
بذلك أكون قد قسمت المكان إلى أسباع, كل سُبْعٍ غصن, لتكون ثلاثة أسباع من فرع الحد, وسُبْعان من فرع العموم والخصوص, وسُبْعان من فرع الملاحظة ليتم بذا ما قُلْتُهُ: (والمكان يتفرع).

والروائي يختار الأمكنة التي تناسب الأحداث, وكثرة الأماكن ليس دليلا على روعة المكتوب بل أحيانا  قد تكون  سببا في فقدان القارئ لعنصر الترابط الذهني لأحداث الرواية, وللمكان دلالات فالمقبرة تدل عل الأحزان, والمقهى على اللقاءات والسوق على التجارة والسيارة على الارتحال والتجوال والقطار على السفر.
ويمتلك المكان صفة من محيطه أو من الحدث الواقع فيه, فالتي من محيطه مثل: (مظلم, مشرق, بعيد, غريب), والتي من الحدث الواقع فيه مثل: (مضحك, مبكي, مضطرب), وقد تجمع الصفة بين المحيط والحدث مثل (مميت, آمن).
ويؤثر المكان على النفوس, فقد تشعر الشخصية مثلا بضيق الصدر أو انشراحه لمجرد وجودها في مكان ما.

وليس لانغلاق المكان أو انفتاحه دلالة حقيقية على نفوس الشخوص, فقد تكون الحالة النفسية في مكان مغلق جيدة وقد تكون سيئة وكذلك المكان المفتوح, إنما الحالة النفسية هي التي تجبر الشخصية على اللجوء إلى مكان معين, فالشاعر مثلا يأوي إلى الطبيعة والأماكن اللامتناهية عادة لتساعده عل رسم خياله وانطلاق أفكاره, والداعي إلى فكر معين يميل إلى الأماكن المفتوحة ليتمكن من نشر فكره بمردود إيجابي يعود على شغله, والحزين الكئيب يُؤْثِر الأماكنَ المغلقة التي تحضن همه وتخفي شجونه ودموعه, فالمكان لا يصنع الشاعر ولا الداعي ولا الحزين بل المكان لديه قابلية احتواء الجميع بمختلف مشاعرها, إنما الشخص هو الذي يجعل للمكان  طبيعة خاصة.
وللمكان قدرة على تحقيق الانسجام بين الحدث والشخصيات والقارئ إذ لا يمكن للروائي أن يذكر شخصا ملتزما بالدين الإسلامي يريد أن يتنزه فيذهب إلى مَرقَص, فهذا لا يستقيم في ذهن القارئ ويؤدي إلى اغبرار الرواية  بغبرة الخلط في الأمور.
هذا بالنسبة للمكان...

4- الأحداث:
الحدث يتشكل من العناصر الثلاثة السابقة, فكل ما تقوم به الشخصيات في حدود الزمان والمكان يسمى حدثا.
ولا تستمر الأحداث على وتيرة واحدة من الحدة إذ لا بد من التراوح بين الهبوط والصعود للانتقال بالقارئ من حالة التأقلم التي تفرضها تلك الاستمرارية.
والأحداث إما أن تكون سابقة للصراع (مسببة له), أو لاحقة له (ناتجة عنه), أما المزامنة للصراع فهي الصراع نفسه.
ويعتمد الروائي الانتقائية عند إيراد الأحداث, فيختار ما يناسب غايته, ويجب الابتعاد عن كل حدث لا يخدم الغاية لأنه يؤدي إلى انفصام رتق الأحداث.

5- الصراع:
هو تصادم بين قوتين, وهو حدث مؤثر في غيره, وتلك القوة قد تكون مادية كالصراع بين شخصين أو جيشين, أو معنوية كالصراع بين الإنسان وشهوته أو القدر.
وقد يختلج صدر القارئ بمسألة: (ما المكوِّن للآخر؛ الصراع للحدث, أو الحدث للصراع؟)..
ولننظر نظرة واسعة إلى واقع العنصرين حتى ندرك الإجابة, إذ يتعين أن نقف في صف الكاتب مرة, وأخرى في صف القارئ لننصف الاثنين, فبالنسبة للروائي فإن الغاية تشكل لديه صراعات عديدة فيندفع إلى رسم الأحداث التي تناسب الصراعات, فيخط أحداثا سابقة للصراع وأخرى لاحقة بناء على ما يقتضيه ذاك الصراع.
أما إذا وقفنا موقف القارئ فإن الصراع عندنا يأتي نتيجة لتفاعل الشخصيات, وتفاعل الشخصيات يبدو لدينا بمظهرين: الأول تفاعل أدى إلى صراع, والآخر تفاعل نتج عن الصراع.

ويرجع هذا التصور إلى أمر معقول يتجسد في نظرة الروائي العلوية لروايته, فهو يعلم البدايات والنهايات والسوابق واللواحق لذلك كان الصراع أساس رسم الأحداث بالنسبة له, كذلك فإن غياب مشاهد الرواية عن القارئ يجعله يسير بتسلسل مع صفحات الرواية ليتفاجأ بما تنتجه الأحداث, وينسجم بما تولده الصراعات, فتكون نظرته داخلية لا تتجاوز الصفحة التي يقرؤها, فيُحدد بذلك أحداثا تُكَوِّن الصراع وأحداثا يُكَوِّنها الصراع.

ويزدوج الصراع فيكون داخليا ويكون خارجيا, فالداخلي كالشخص مع نفسه إذ تتجاذبه قوتين, كقوة الحق وقوة الباطل, أو قوة الإرادة وقوة الإعراض, وغالبا ما يكون قصير المدة ومصيريا.
أما الخارجي فيقع بين شخصيات الرواية, ويكون طويل المدة أحيانا ومركزيا مصيريا.
ويلجأ الروائي إلى الصراع الخارجي أكثر من الداخلي كي يزيد من انفعال القارئ حيث إن الصراع هو النقطة الأكثر تأثيرا في نفس القارئ, وهو اللحظة التي تصل بالقارئ إلى أعلى درجات الانفعال والتي لا تهدأ إلا بإدراك نتائج الصراع, والنجاح في اصطفاء لحظة الصراع يجعل المكتوب أكثر حيوية, ونجاح الصراع يكون بالقدرة على شدَّ القارئ لمواصلة القراءة بإيصاله إلى أعلى درجات الانسجام, ويزيد الانفعال عند المرحلة التي يحتدم فيها الصراع والمسماة بالعقدة, والتي يتبعها انحدار متواصل لحدة الصراع, فالعقدة هي ذروة الصراع, والصراع هو ذروة الحدث, والحدث هو نتاج تفاعل الشخصيات ضمن إطار الزمان والمكان.
6- الحبكة (النظم):
تُنتِجُ الفكرة لدى الروائي صراعات متعددة وأحداث متفرقة تخدم غاية الكاتب, هذه الصراعات تحتاج إلى هندسة وترتيب وحسن نظم, ولا يمكن أن يقوم الروائي بعرض جملة صراعات مبعثرة إذ لابد من تنسيق الصراعات مع الأحداث الملائمة بصورة متسلسلة بانسياب نحو الغاية حتى يمكن للقارئ أن يستوعبها ويربطها بسلاسة في ذهنه, وتنسيق الأحداث يسمى الحبكة أو النظم.
وأفضل النظم الانحدار المنساب الذي من شأنه أن يحقق الانسجام والتركيز, وهو أفضل بكثير من الانحدار الانكساري الذي يهبط بالقارئ من موقف إلى آخر بشكل فجائي يسبب الإزعاج للقارئ.

7- الفكرة:
هي أساس العمل الروائي, فلا زرع دون وضع, والفكرة هي الوضع الذي سينبت زرعا يحصده القارئ وينتفع به الروائي, فالفكرة هي الدافع والمحرك لرغبة الروائي في إعمال القلم استجابة لعنفوانها, وكل عناصر الرواية مسخرة لتحقيق الفكرة, فهي تولد الصراع في ذهن الروائي والصراع ينتج الأحداث, والأحداث تخضع للنظم المحكم, والنظم المحكم يعطينا رواية كاملة الأبعاد.

وللرواية فكرة رئيسة واحدة وهذا لا يعدم وجود أفكار أخرى ثانوية لكنها كلها تخدم الرئيسة, فلكل صراع موجود في الرواية فكرته المرتبطة بالفكرة الرئيسة, وقد يورد الروائي فكرة ثانوية غير مرتبطة بالرئيسة لغرض معين, فقد يقصد تضمين عدة أهداف في روايته أو إيصال مجموعة رسائل في جعبته إلى الجمهور, وهذا جيد إذا لم يكن بصورة متكررة, والجودة تُحدد بإراحة القارئ من الجَهد الذي يصنعه تواصل الأحداث المرتبطة بالفكرة الرئيسة, وفي النهاية فإن للرواية فكرة واحدة طاغية تتصف بوضوح يهدي القارئ إليها بشكل تلقائي دون عناء التفكير في: (ما الهدف مما أقرأ؟ أو ما ملامح ما أقرأ؟).

8- النهاية:
هي اللحظة التي ينتظرها القارئ بكل شوق ويحبكها الروائي بكل إحكام وذوق, وهي اللحظة التي تكتمل عندها غاية الكاتب, فلا حاجة بعد بلوغ الهدف إلى الإطالة, وغالبا ما ينتهي انفعال القارئ عندها.
والنهاية نهايتان: نهاية الرواية, ونهاية عناصر الرواية, فنهاية الرواية لا تعني بالضرورة نهاية الحدث, فقد تنتهي الرواية في وسط حدث ما, إنما تعني الوصول إلى الهدف واكتمال الفكرة, بحيث يغدو لا حاجة لمزيد من الأحداث, أو حتى لا حاجة لإكمال الحدث الذي انتهت الفكرة في منتصفه.
وبعد ذلك يمكن تصنيف النهايات إلى مفتوحة ومغلقة, فالمفتوحة يترك فيها الروائي للقارئ فرصة التفكير في كيفيتها, كأن يذكر حدثا يحوي استشهاد الشخصية المركزية ثم لا يكمل الحدث بل يدعه للقارئ, أما المغلقة فيذكر فيها الروائي نهايات العناصر للقارئ فيريحه من عناء التخمين.
وكثيرا ما تجمع الرواية بين النهاية المفتوحة والمغلقة كأن يختم الكاتب روايته بحدث لا يكمله لكن هذا الحدث يشمل نهاية شخصية رئيسة.
وفي الغالب لا يرغب الروائي أن يترك جمهوره يتدخل في عمله الأدبي بتخمين نهاياته, لذا فإن النهاية المغلقة هي التي تسيطر على الروائيين نسبيا, وإن لجأ الروائي إلى النهاية المفتوحة فإنه لا يتركها مفتوحة على الإطلاق, بل تكون متوقعة على الأقل.

9- اللغة:
وهي الوسيلة التي يتبعها الروائي للتعبير عن الحدث, وتأخذ شكلين: السرد والحوار, فالسرد هو الكلام الذي يوصله الروائي للقارئ على لسانه, ويستخدم فيه الكاتب ما يجده مناسبا للمقام, فقد يستعين بأسلوب الرسالة أو التقرير أو الإعلان التجاري, أو الخبر الإذاعي, أو المقالة, ويعتمد الأسلوب السردي على الوصف, وينشق السرد العام إلى طبائع مختلفة, فسردا ذا طابع عاطفي تزينه المشاعر المرهفة, وسردا ذا طابع انتفاضي تهيجه المشاعر الثورية المقهورة, ومرجع التحديد طبيعة الحدث والشخصيات والكاتب.

أما الحوار فهو كل كلام يجري على لسان شخصيات الرواية, ويأخذ أشكالا عديدة: فيكون بين الشخص ونفسه سواء كان مسموعا أو غير مسموع ويسمى حوارا داخليا, من ذلك المناجاة والغمغمة والهمهمة, ويكون بين شخصية وطرف آخر, ويسمى حوارا خارجيا, مثل: محادثة بين شخصين, أو حديث شخصية مع الطبيعة أو مع الحيوانات استئناسا بها.

ويحسم السردُ السلطةَ في الرواية, وإن غلبه الحوارُ في عدد السطور فإنه يظلّ أكثرَ حشوا من الحوار, لذا فعلى السرد أن يراعي المكانة التي هو فيها فلا يقسو ولا يغلو على القُرَّاء, وإن كان مراعيا فلْيُرَاعِ فصاحة اللفظ والوضوح المعنوي والدلالي والتسلسل المنطقي للأحداث والمستوى العقلي للشخصيات, ويلجأ بعض الروائيين إلى التخفيف من حدة الفصحى على الجمهور القارئ بسبب الفجوة بين عهد الميلاد وعهد الإيراد, فيستخدمون المزاوجة بين الفصحى والعامية, يحاولون بهذا ملء تلك الفجوة.

10- الكاتب:
هو واضع العناصر ومنتج الفن, ومن العيب أن نذكر العنصرَ ونهمل المعنصِرَ, والروائي هو المتحكم في طبيعة المكتوب, يختار ما يشاء لما يشاء في حدود المندوب, وعليه أن يراعي الطالب والمطلوب.
وكثيرا ما ينثر الكاتب أبعاد شخصيته على إنتاجه الأدبي وعمله الروائي, وهذا ليس غريبا, فإن الفكرة لا تتولد من الفراغ, بل هي عبارة عن حدث وقع في حياة الروائي وأَثَّر فيه, وليس بالضرورة أن يكون قد حَدَثَ له شخصيا, إنما حدث في حياته, فشارك في بناء فكرته, لأن المحيط يؤثر في النفس, والنفس تؤثر في الإنتاج, فالوقائع دوافع, والصنائع نوابع.

وكي يتمكن الكاتب من نسج الصراعات والأحداث المكونة لمتن روايته لا بد أن يملك فكرة تدفعه للأمام, وخيالا واسعا يمكنه من بناء الرواية في باحاته, وأن يتخلى عن مختلف الهموم, ويطلع على ما كتب السابقون ثم يلزم المكتب ليكتب, فيكتب ما عنده مرة واحدة ولا يرتب, وإذا ملَّ من جريان القلم فليوقف نزفه كي لا يتلوث باحتمال الزلل, فيأخذ جِلسة علاج من الملل, ووقتا كافيا لزوال العلل, ومتى وجد النفس قد صفت واستقر حالها رجع ليواصل العمل, وإذا انتهى كتابة عاد للترتيب والتنقيح, والتنسيق والتصحيح, فإذا أتمَّ عَرَضَ على نصيح, ذي رأي رشيد وعقل رجيح.


* الختام:
كتابة الرواية تستوجب سعة الدراية بعناصرها من البداية حتى النهاية, وها هي العناصر مطبوعة لكل ناظر, تُجْمِل المهمَّ وتدفع المُلِمَّ, وقد خرجتُ عن المألوف دون إنكار المعروف, فلم أنقل إلا لِماما لكني استفدت دواما ممن سبق في الكتابة, وأجاد في صنع الإجابة, وذا لأن نقل الحروف ملأ الرفوف, فأَمَلَّ القارئ الشغوف, فكتبتُ في العناصر ما يكشف الستائر, بأَمَلِ الإبداع قدر المستطاع, فجاءت على عشرةٍ من نتاج الخبرة, وهي بالإيجاز وإجمال الإحراز:
الشخوص, الزمان, المكان, الأحداث, الصراع, اللغة, النظم, النهاية, الكاتب, الفكرة.
فالشخوص ترسم الملامح, والزمان يظهره المكان, والمكان يحدد أبعاد الأحداث, والأحداث تشكل المتن, والصراع يثير المَشَاهد, والعقدة لحظة اشتداد الصراع, واللغة وسيلة لإعراب المنقول, والنظم إدخال المكتوب ضمن المقبول المعقول, والنهاية اللحظة المنتظرة بعد الجَهْد الموصول, والكاتب واضع ما سبق فروعا بعد أصول, والفكرة الدافع لكتابة الكاتب فنَّهُ المأمول.

والله الموفق
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.
يوسف بن حسن حجازي